الحفل السنوي لسعفة القدوة الحسنة
كلمة معالي الشيخ الدكتور/ صالح بن عبد الله بن حميد
في الحفل الأول لجائزة سعفة القدوة الحسنة
تأصيل الشفافية
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ومن اقتفى أثره واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد،،
صاحب السمو الملكي/ الأمير سلمان بن عبد العزيز أمير منطقة الرياض وراعي الحفل، أيها الحفل الكريم.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته وبعد،
يعد مصطلح الشفافية مصطلحًا معاصرًا فشى استعماله في السنوات القليلة المتأخرة الأمر الذي كان مثار العديد من التساؤلات حيال مفهوم هذا المصطلح ونشأته وتحديد أبعاده
- مفهوم الشفافية:
يبدو أن إعطاء تعريف محدد لمفهوم الشفافية أمر لايخلو من صعوبة ومردّ ذلك في تقديري لسببين:
أحدهما: التشعب الكبير في تداول هذا المصطلح إذ يتردد صداه لدى رجال السياسة وخبراء الاقتصاد وأهل الإدارة وعلماء الاجتماع وأرباب الثقافة والفكر، بل إن رجل الشارع العادي يتعاطى هذا المصطلح وأحيانًا في موضوعات غير ذات بال.
إن هذا التنوع الواسع في توظيف المصطلح يجعل من الصعوبة بمكان إعطاء توصيف محدد للشفافية يكون محل اتفاق الجميع وقبولهم.
ثانيهما: أن الشفافية -في حقيقتها وفيما يبدو للباحث- تعد مركبًا يضم عددًا من القيم الإنسانية الفاضلة كالصدق والعدل والحرية والمساواة والنزاهة ونحوها وبالتالي فاستيعاب تلكم القيم -على غزارة مدولاتها وسعة مجالاتها- في تعريف محدد الصياغة يعد أمرًا متعذرًا.
ولكن، وفي ضوء ما تقدم يمكن إعطاء تصور عام عن الشفافية يقال فيه: إنها مجموع القيم الفاضلة كالعدل والصدق والأمانة والمساواة والنزاهة ونحوها الموصلة إلى غايات نبيلة كحفظ الحقوق ومحاربة الفساد والظلم والتعدي على الغير ونحوها في محاسبةٍ ومكاشفةٍ مع قبول نفسي ورضًا داخلي لما للإنسان وما عليه،
ومن خلال هذا التصور حاول الباحث إيجاد تعريف يُقرب المراد وعليه فيمكن أن يُقال:
الشفافية: طرح موضوع وبحثه والتعامل معه وإقراره في مكاشفةٍ ومحاسبةٍ ونزاهةٍ وصدقٍ وعدالةٍ لإحقاق الحق وإيصاله لمستحقه ورفع الظلم والفساد وإنكاره على من حصل منه، والمراد بالموضوع: كل حق مادي ومعنوي من وظيفة أو مال أو غيرها.
والمراد بالتعامل: ما تتمتع به نفس صاحب الشفافية من صدق ونزاهة واستعداد لقبول الحق له أو عليه في مقاييس أخلاقية رفيعة ومقاييس شرف عالية مما يُعزز السلوك الأخلاقي العالي في التعامل.
-الشفافية مبدأ إسلامي:
يلحظ المتأمل أن ثمة ربط قوي -لدى الكثيرين- بين الشفافية والديموقراطية استنادًا إلى أنها إحدى سمات الديموقراطية ومميزاتها، ولطالما اقترن الحديث عن بعض أشكال الديموقراطية المعاصرة بارتفاع معدل الشفافية.
وواقع الحال -أيها الإخوة- أن الشفافية كممارسة عملية قديمة قِدم الحضارة الإنسانية، فقد عرفت كثير من الحضارات التي عَمَرت الأرض العديد من القيم والمُثل التي تقوم عليه الشفافية وممارساتها على التفاوت في ذلك وإن لم تصطلح على تسميتها بهذا الاسم.
وتتجلى رعاية الإسلام لمبدأ الشفافية من خلال الآتي:
أولاً: تضمن القرآن الكريم عرضًا لكثير من المواقف التي صدرت من رسول الله صلى الله عليه وسلم تنبيهًا إلى لزوم العدل والمساواة والصدق والمكاشفة والمحاسبة وغيرها:
1- فيما بينه وبين أصحابه يقول الله عز وجل: (عبس وتولى، أن جاءه الأعمى، وما يدريك لعله يزّكى، أو يذّكر فتنفعه الذكرى، أما من استغنى، فأنت له تصدى، وما عليك ألاّ يزّكى، وأما من جاءك يسعى، وهو يخشى، فأنت عنه تلهّى، كلا إنها تذكرة).
2- وفيما بينه وبين أزواجه يقول الله عز وجل: (يا أيها النبي لمَ تحرّم ما أحل الله لك تبتغي مرضاة أزواجك).
3- وفيما بينه وبين نفسه يقول الله عز وجل: (وإذ تقول للذي أنعم الله عليه وأنعمت عليه أمسك عليك زوجك وتخفي في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ….)، (ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئًا قليلا، إذًا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لاتجد لك علينا نصيرا).
ثانيًا: وقد التزم رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك في شتى المجالات لاسيما الولايات والوظائف، فعن أبي حُميد الساعدي –رضي الله عنه- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (مابال العامل نبعثه فيأتي يقول هذا لكم وهذا أُهدي لي فهلاّ جلس في بيت أبيه وأمه فينظر أيُهدى إليه أم لا، والذي نفسي بيده لا يأتي بشيء إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته ….) الحديث.
والحدود عن عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (إنما أهلك الذين قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد، وأيم الله لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها).
وكذا في الاقتصاد فعن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا تلقّوا الركبان ولا يبع حاضرٌ لباد).
قيم الشفافية في الإسلام:
إذا كان كثير من أشكال الحضارة الإنسانية قد عرفت العديد من القيم التي تقوم عليها الشفافية ومارستها فثمّت ما يميز قيم الشفافية في الإسلام ذلكم أن القيم الإسلامية للشفافية تمتاز بعدد من المزايا على ما سيأتي- غير أن أبرزها واجلّها اتصافها بسمة (الثبات) ذلك أنها ربانية المصدر، فلا تختلف باختلاف الآراء، ولاتتنوع بتنوع الأهواء.
ومن أبرز قيم الشفافية في الإسلام:
1- العدل:
في الإسلام نجد قيمة العدل عالية متألقة، تتصدر كل القيم التي يدعو إليها الدين، فهي من أسمى مقاصد الشريعة، والأساس الذي تعتمد عليه الأمم في تقدمها وبقائها.
والعدل في شريعة الإسلام فريضة واجبة، فرضها الله –تعالى- على الكافة دون استثناء: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى)، (وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى).
وتتسم قيم العدل في ديننا بشمولها الذي لايعرف التفرقة ولا المحاباة يستوي في ذلك الشريف والوضيع والقوي الضعيف والغني والفقير والمسلم وغير المسلم على حد قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيًا أو فقيرًا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا وإن تلووا أو تعرضوا فإن الله كان بما تعملون خبيرًا) وقوله سبحانه: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّا مين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنئان قومٍ على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون) وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إن المقسطين عند الله يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا).
2- المساواة:
قرر الإسلام مبدأ المساواة بين الناس في أكمل صوره وأمثل أوضاعه واتخذه دعامة لجميع ما سنّه من نُظُم لعلاقات الأفراد والجماعات،
وتعني المساواة في الإسلام المماثلة في الحقوق والواجبات بين الناس جميعًا فلا تمييز لأحد على آخر بلون أو عِرق أو جنس وهي مساواة شاملة:
· أمام الله تعالى (يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم).
· وأمام الشرع في قوله سبحانه من حيث المسئولية والجزاء (من عمل صالحًا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون).
وفي هذا السياق يكفل الإسلام لغير المسلم في المجتمع الإسلامي حقوقه، ويحفظ كرامته، ويصون حرمته، يعيش بين المسلمين كأحدهم له ما لهم وعليه ما عليهم، وهذي هي المساواة في أبهى صورها وأرقى معانيها.
3- الحرية:
الحرية في الإسلام قيمة كبرى لارتباطها بطبيعة الإنسان وفطرته ولتأثيرها في تكوين شخصيته إذ بها تقوم الحياة ويتحقق الانتاج وينهض المجتمع، ذلك أن الحرية هي التي تتيح للإنسان أن يطلق طاقاته المادية والفكرية والنفسية لبناء مجتمع أفضل والإسهام في البناء والمشاركة في المسئولية.
وتمثل الحرية المظهر الظاهر للكرامة التي منحها الله –تعالى- الإنسان وفضله بها على كثير ممن خلق، وتشمل الحرية في هذا المقام ميادين كبيرة مثل: حرية الرأي، وحرية العمل وحرية التنقل، وحرية التملك وغيرها.
وتجدر الإشارة إلى أن الإسلام حين أعطى الحرية للإنسان حماها من العبث والإعتداء إذ ربطها بحقوق تجعل الإنسان متمتعًا بخصائص ذاتية يشعر من خلالها بالسيادة والكرامة في نطاق الضوابط التي تنظم أمر هذه الحقوق وتحفظ لها حرمتها بوعي وحرص من جميع الأطراف.
-نماذج مضيئة:
شهد التاريخ الإسلامي العديد من النماذج المضيئة والتطبيقات الاضلة لقيم الشفافية والنزاهة:
فعن أنس –رضي الله عنه- أن أبا بكر –رضي الله عنه- حين بُويع بالخلافة خطب الناس فقال: (يا أيها الناس إني قد وُليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني الصدق أمانة والكذب خيانة، الضعيف فيكم قوي عندي حتى أرجع عليه حقه إن شاء الله والقوي فيكم ضعيف حتى آخذ الحق منه إن شاء الله).
وكتب عمر –رضي الله عنه- لقاضيه أبي موسى الأشعري –رضي الله عنه- (آسي بين الناس في مجلسك ووجهك وعدلك حتى لايطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك ولايمنعنك قضاء قضيته بالأمس راجعت فيه نفسك وهُديت فيه لرشدك أن تراجع فيه الحق، فإن الحق قديم لايُبطله شيء ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل).
وفي هذا العهد المبارك عهد دولة الدين والدعوة والنهضة دأب ولاة الأمر -وفقهم الله- على التأكيد على لزوم قيم الشفافية والنزاهة ورعاية الحقوق ومحاربة الفساد:
فهاهو مؤسس هذا الكيان العظيم الملك عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود –رحمه الله- يقول: (إني أعتبر كبيركم بمنزلة الوالد وأوسطكم أخًا وصغيركم ابنًا فكونوا يدًا واحدة وألّفوا بين قلوبكم لتساعدوني على المهمة الملقاة على عاتقنا).
وقد سار أبناؤه من بعده على هذا النهج فخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله بن عبد العزيز وفقه الله في افتتاح أعمال السنة الرابعة من الدورة الرابعة لمجلس الشورى يقول: (يشهد الله تعالى أني ما ترددت يومًا في توجيه النقد الصادق لنفسي إلى حد القسوة المرهقة كل ذلك خشية من أمانة أحملها هي قدري ومسئوليتي أمام الله جل جلاله ولكن رحمة الله واسعة فمنها أستمد العزم على رؤية نفسي وأعماقي، تلك النفس القادرة على توجيه النقد العنيف الهادف قادرة بإذن الله أن تجعل من ذلك قوة تُسقط باطلاً وتعلي حقًا ولنتذكر جميعًا أننا مسئولون أمام الله ثم أمام شعبنا ووطننا).
وانسجامًا مع هذا النهج المبارك جاء توجيهكم يا صاحب السمو الملكي لجميع المسئولين في الإدارات الحكومية بمنطقة الرياض والمحافظات والمراكز التابعة لها بالتأكيد على ماجاء في المادة (7/ج) من نظام المناطق في شأن كفالة حقوق الأفراد وحرياتهم وعدم اتخاذ أي إجراء يمس تلك الحقوق والحريات إلا في الحدود المقررة شرعًا أو نظامًا وتحمل كل مسئول صغيرًا كان أو كبيرًا في نطاق مسئوليته جميع ما يصدر منه وتأكيدًا على الجميع –والكلام لكم- وتأكيدًا على الجميع بضرورة الإطلاع في الأنظمة والالتزام بها والعمل على إنفاذ مضمونها وقلتم وفقكم الله: (إنه لو صدر منكم شخصيًا أو من نائبكم أمرٌ مُخالف للأنظمة فعلى مُتلقي الأمر أن يعرض ذلك فورًا).
وتتويجًا لهذه العزمة الخيّرة وتعزيزًا لقيم الشفافية والنزاهة صدرت الموافقة السامية الكريمة في 26/10/1427هـ بالتأكيد على الوزارات والأجهزة الحكومية الأخرى وإمارات المناطق بضرورة الإلتزام بما نصت عليه الأنظمة والتعليمات من كفالة حقوق الأفراد وحريتهم وعدم اتخاذ أي إجراء يمس تلك الحقوق والحريات إلا في الحدو المقررة شرعًا ونظامًا إضافة إلى العرض على مُتخذ الإجراء عن أي إجراء خاطيء يمس تلك الحقوق والحريات لتصحيحه وتحمل مسئولية ما قد يقع من تجاوزات في حال عدم القيام بذلك.
وبعد، فإن ما تحقق من جهود حكومية وأهلية في سبيل نشر قيم الشفافية ورعايتها لهي من المبشرات والمأمول أن تشهد الأيام المقبلة بإذن الله المزيد في هذا الباب.
وفي الختام،
أتوجه بالشكر الجزيل لراعي هذا اللقاء صاحب السمو الملكي/ الأمير سلمان بن عبد العزيز وفقه الله على هذا الدعم والاهتمام، والشكر موصول لسمو الأمير/ تركي بن عبد الله بن عبد الرحمن على هذه المبادرة الموفقة (سعفة القدوة الحسنة) والتأكيد على أهمية الدعم المعنوي والمادي لهذا العمل السامي من الجميع حتى تتحقق الأهداف المنشودة وهذا كله يصب في تشجيع المحسن والجاد وشيوع ثقافة حسن الظن وسبل الشفافية والنزاهة والعدالة والمساءلة والقدوة الحسنة والممارسات الصالحة.
وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. |